سهيلة عبد الباعث الترجمان

568

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الصوفية لتحقيق ثقافة واسعة شاملة في شتى الألوان والفنون ، ذلك بفضل ما يتحقق به الصوفي من رياضات روحية ومجاهدات بدنية تصل بها نفسه إلى حالة الصفاء فتأخذ ما يتكشف لها من الحقائق العلمية والإلهية في حضرة الذات الإلهية ، ومن هنا كانت الثقافة الصوفية شاملة للأمور الدينية والعلمية والأدبية وغيرها . أما ثقافته الصوفية وتكوينه الروحي فقد كان أهم جانب من جوانب ثقافته الواسعة الخصبة ، وكان لابن عربي أكبر الأثر في ذلك ، فقد أفاد الجيلي من الاطلاع على كتبه ومؤلفاته ، وعرف علومه وشرح بعض قضاياها ، وتابع خطواته فجمع بين الحقيقة والشريعة واقتفى آثاره في كثير من العلوم والمسائل التي عالجها ذوقا وكشفا وإلهاما ووهبا ، كل ذلك بفضل توجيه شيخه الجبرتي كما سبقت الإشارة إذ كان على صلة بمدرسة ابن عربي ، وداعيا إلى مذهبه ومنتميا إلى نحلته ، وهذا ما بدا من اهتمام الشيخ الجبرتي نفسه بكتاب فصوص الحكم لابن عربي واعتباره مصدرا هاما من مصادر التصوف الضرورية ، حتى صار من لا يحصل على نسخة من الفصوص تنقص منزلته عنده « 1 » . ورغم إفادة الجيلي من ابن عربي واتفاقه معه في بعض الآراء ، إلّا أنه يختلف معه حول بعض القضايا : كقضية العلم والمعلوم ، وقضية الجبر والاختيار وخلافه ، وقد بنى على ذلك كله نظريات في المعرفة والوجود ، وأخرى في الفناء والبقاء وكذلك في الثواب والعقاب وغيرها من النظريات ، وهو في تناوله لكل هذه النظريات والآراء يستند إلى الكتاب والسنة دون إعمال فكر وبحث وتدقيق . وقد أخبر عن تأليفه لكتابه الإنسان الكامل فقال : " وكنت قد أسست الكتاب على الكشف الصريح ، وأيدت مسائله بالخبر الصحيح . . . " « 2 » ولكنه خطر له خاطر بتركه إجلالا لمسائل التحقيق فشتته ومزقه إلى أن جاءه الأمر الإلهي بإبرازه فقال : فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وألغازه ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعا للأمر المطاع . . . وابتدأت في تأليفه متكلا على الحق في تعريفه ، فها أنا ذا أكرع من دنّه القديم بكأس اسمه

--> ( 1 ) الشوكاني ، البدر الطالع ، الجزء الأول ، ص 139 . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 4 .